محمد حسين علي الصغير
222
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
بشرا أو سوى ذلك فيمثلهم قوله تعالى : وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 86 ) . والآية مصرحة بوجود الشفاعة « 1 » . لأن نفيها عن آلهتهم يعني إثباتها لمن شهد بالحق ، وهو توحيد اللّه عن إيمان ويقين بالاستثناء الوارد في الآية . « وقيل في معنى الآية وجهان : أحدهما : أن المعبودين من عيسى ومن مريم والملائكة وعزير عليهم السّلام ، ولا يملك الشفاعة عند اللّه تعالى أحد منهم في أحد ، إلا فيمن شهد بالحق ، وأقر بالتوحيد ، وبجميع ما يجب عليه الاقرار به . والوجه الآخر : أن الذين يدعون من دون اللّه من البشر والأجسام وجميع المعبودات لا يملك الشفاعة عند اللّه إلا من شهد بالحق منهم ، يعني عيسى وعزيرا والملائكة عليهم السّلام ، لا يملكون الشفاعة عند اللّه تعالى إلا إذا كانوا على الحق شاهدين به ، معترفين بجميعه ، فإنهم يملكون الشفاعة عند اللّه ، وإن كان لا يملكها ما عداهم من المعبودات . والفرق بين الوجهين : أن الوجه الأول يرجح الاستثناء فيه إلا من تتناوله الشفاعة ، وفي الوجه الثاني يرجح الاستثناء إلى الشافع دون المشفوع فيه . فإن قيل : أي الوجهين أرجح ؟ قلنا : الثاني ، وإنّما رجحناه لأن المقصد بالكلام أن الذين يدعونهم من دون اللّه تعالى لا يملكون لهم نفعا كما قال تعالى في مواضع إنهم لا ينفعونكم ، ولا يضرونكم ، ولا يرزقونكم ، ووضع الكلام على نفي منفعة تصل إليهم من جهتهم ، ولا غرض في عموم من يشفعون فيه أو خصوصه . ولما كان فيمن عبدوه من نبي أو ملك من يجوز أن يشفع فيمن تحسن الشفاعة له ، وجب استثناؤه حتى لا يتوهم أن حكم جميع من عدده واحد ، في أنه لا تصح الشفاعة له ممن لم يكن كافرا ولا جاحدا . ويترجح هذا الوجه من جهة أخرى ، وهي أنا لو جعلنا الاستثناء
--> ( 1 ) الطباطبائي ، الميزان : 18 / 127 .